سيد محمد طنطاوي
258
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كما يرها قد اهتمت بالحديث عن مصارع الغابرين ، بأسلوب يغرس الخوف في القلوب ، ويبعث على التأمل والتدبر . كما في قوله - تعالى - : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوه ، وجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِه الْحَقَّ ، فَأَخَذْتُهُمْ ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِ . وكما في قوله - تعالى - : أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وآثاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّه بِذُنُوبِهِمْ ، وما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّه مِنْ واقٍ . كما يراها قبل كل ذلك وبعد كل ذلك لها أسلوبها البليغ المؤثر في إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وفي تثبيت المؤمن وزلزلة الكافر ، وفي تعليم الدعاة كيف يخاطبون غيرهم بأسلوب مؤثر حكيم ، نراه متمثلا في تلك النصائح الغالية التي وجهها مؤمن آل فرعون إلى قومه ، والتي حكاها القرآن في قوله وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَه ، أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّه ، وقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ ، وإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْه كَذِبُه ، وإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ، إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . نسأل اللَّه - تعالى - أن ينفعنا بتوجيهات القرآن الكريم ، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . د . محمد سيد طنطاوي القاهرة - مدينة نصر مساء الجمعة : 28 من ذي الحجة سنة 1405 ه / 13 / 9 / 1985 م